أسعد السحمراني

72

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

لكن كل ما ذكرناه من فضائل عماده المعرفة ، ولهذا اتجه سقراط إلى العقل يستفتيه ، ويولّد منه الحقائق ، كما كان يقول بشكل تجريدي متواصل ، لكي يتوصّل إلى وضع المعايير الأساسية لكل شيء في الحياة . وإذا كان للفيلسوف أن يتأمّل ويجرّد لوضع النظريات حول مسائل الوجود فإنه برأي سقراط يجب أن يحوّل اهتمامه كلّه إلى الإنسان ، وأن يكون موضوع نظرياته ومعارفه كلها ، حتى تسود الحكمة التي تجلب السعادة العامة لكل أبناء المجتمع . وهذا الأمر يفسّر لنا سبب اتجاه سقراط إلى أبناء العامة يعلّمهم مجانا في الساحات العامة ، ولم يرض بتخصيص نفسه لبعض أبناء الفئات الغنية ، لأن الفضيلة لن تسود أثينا إذا بقيت المعرفة محصورة في فئة قليلة من الناس . وموقفه هو يعود إلى تصنيفه المعرفة أساسا لكل شيء ، وأنها ضرورة ملحّة لمن هو في القيادة أكثر من سواه ، فالقيادة أساسها المعرفة بالشيء وليس مجرد اختيار الشعب للحاكم ، وإن كان غير مؤهل لمهمته . وفي النهاية نقول : مهما قيل في سقراط إلّا أنه تسجّل له إيجابيات بارزة في تاريخ فلسفة الأخلاق منها : 1 - لقد أعطى لعلم الأخلاق جلّ اهتمامه مما فرض على كل من جاء بعده من الفلاسفة والمفكرين أن يخصصوا لهذا الموضوع حيزا من اهتمامهم مما أغناه بالآراء ، وأهمية فلسفته الأخلاقية تكمن في اعتماد المعرفة والحكمة ، وسمّوها فوق الشهوة واللّذات الحسية . 2 - إن سقراط كان منسجما مع فلسفته وآرائه عندما التزم بها في حياته حتى عندما كان في السجن ، وأغري بالفرار فرفض انسجاما مع رأيه في الخضوع للقانون وعدم الخوف من الموت . وهذا الأمر يعبّر عن التزام رفيع بقيم حدّدها الإنسان لنفسه ، وكان القدوة للالتزام بها . وفي هذا السياق يأتي رفضه طلب الأغنياء بتعليم أولادهم ، وقيامه بتعليم أبناء الفقراء مجانا ، لتعميم المعرفة انطلاقا من رأيه بأنّ الفضيلة لا تسود المجتمع إلّا إذا انتشرت المعرفة وسادت الحكمة .